بين البينالات والمزادات ضياع تاريخ من الفنون بعدما فقد أسباب ضرورته

المقاله تحت باب  نقد
في 
31/08/2009 06:00 AM
GMT



لماذا صارت البينالات الفنية العربية تمتنع عن استقبال اعمال الرسامين والنحاتين العرب؟ في المقابل لماذا لم يقل الفنانون الذين أصابهم النبذ كلمة تعبّر عن ايمانهم بحقهم في أن يكونوا موجودين في كل تظاهرة فنية تقام على الارض العربية، ناهيك بالعالم؟ من أخطأ في حق الآخر؟ لقد ذهبت البينالات برعايتها واهتمامها الى فناني الانشاء والتجهيز والفيديو والتركيب والتصوير الفوتوغرافي فيما حُرم الرسامون والنحاتون فرصة العرض اللائق لأعمالهم، كما لو أن هناك مسافة بين مزاجين، أحدهما قرر أن يقول كلمته: كفى. ما لم يتفاوض حوله الطرفان تلخصه الأسباب التي أدت الى هذه القطيعة.

1كان من حق النحاتين والرسامين العرب أن يغضبوا، أن يعلنوا حزنهم وشعورهم بالخيبة على الأقل بسبب استبعادهم القاطع عن بينال الشارقة للفنون (بينال القاهرة هو الآخر في طريقه إلى أن يسلك المسلك عينه). لكنهم صمتوا بطريقة مريبة. كما لو أنهم كانوا مقتنعين بصواب ما انتهى إليه اقتناع القائمين على البينال المذكور، ومفاده أن حضور أي تظاهرة فنية وسط مثيلاتها العالميات يتطلب شيئا من المعرفة بأحوال الفن المعاصر ومتغيراته الراهنة. فاللقاء الفني، كل لقاء في حجم البينال، لا يكون مخلصا لأهدافه إذا جرت الأمور فيه كما لو أنه متحف متنقل تقوم فكرته على تجميع أعمال فنية كرّسها الوعي النقدي تاريخيا، بقدر ما يتحتم عليه أن يكون أشبه بجهاز مزدوج لقياس درجة الحرارة (حرارة الجسد وحرارة الجو معا).
 
 عينه التي تتطلع إلى المستقبل هي الضمان الوحيد الذي يجعلنا على يقين من أن هنالك شيئا ما جديدا يحدث، وأن هناك ما يفعله الفنانون من أجل أن تتغير ذائقتنا، وأن تنتقل تلك الذائقة من مستوى الخضوع السلبي البارد إلى مستوى المساءلة المشاغبة والعنيدة. لكن ذلك الصمت المريب الذي قابل به الفنانون العرب قرار بينال الشارقة لم يعبّر، كما تكشف عنه أحوال الفن التشكيلي في عالمنا العربي، إلا عن نوع من سوء الفهم: لقد كان الفنان العربي ولا يزال يعتقد أن المؤسسة الفنية هي كيان خرافي لا يمكن أن يكون موضع مساءلة واعتراض. لذلك آثر الفنانون السلامة ولاذوا بصمتهم المضر، على الرغم من أنهم يدركون أن واحدة من أهم الطرق السالكة التي قد يكون في إمكانها أن تقود تجاربهم إلى العالمية قد سدّت في وجوهم. ولكني اتساءل: هل استبعد بينال الشارقة الرسم والنحت لكونهما نحتاً ورسماً، أم أن ذلك الموقف ينطوي على نوع من التقويم النقدي الجسور والعارف لأوضاع الرسم والنحت، ومن ثم موقعهما الحالي في المشهد الفني العالمي؟ لو ألقينا نظرة سريعة على عدد من الاسماء التي هي موقع اهتمام العروض الفنية الجديدة (في القاعات الكبرى والمتاحف على حد سواء) لأستطعنا أن نعثر على جزء من الجواب: البريطانية كيكي سميث هي نحاتة، المصرية غادة عامر هي رسامة، الهندي أنيش كابور هو نحات، الايطالي كليمنته هو رسام. القائمة تطول. لا يتعلق الأمر إذاً بالرسم باعتباره رسما أو بالنحت باعتباره نحتا.
 
 هناك موقف من المفهوم الذي تنتهي إليه معاني الممارسة والنوع الفنيين. فحين يكون النحت والرسم منفتحين على تحولات مزاج عصرهما، يمكنهما أن ينافسا الأنواع الفنية الجديدة في تقديم صورة للإنسان وهو يقف في مواجهة مشكلاته المستجدة، بل يكون في إمكانهما أن يقدّما حلولا جمالية مستنبطة من أعماق تلك المشكلات. هكذا يكون علينا أن لا نرى إلى الرسم والنحت في صفتهما معنيين لمفهوم مطلق، معنى تم اختراعه في لحظة من الزمن ليكون خالدا إلى الأبد. ذلك لأن الأنواع الفنية تتغير، وما من فن يصمد إلا اعتمادا على درجات الازاحة التي ينجزها وهو يصنع مسافة تفصل بينه وبين مفهومه التاريخي المكرس. تلك المعاني، هل يدركها الفنانون العرب الذين صمتوا على الضيم الذي أصابهم؟

2

أعتقد أن المشكلة تستحق أن تناقَش ثقافيا. فهي ليست مشكلة فنية (تقنية)، ذلك لأنها تتعلق بطريقة النظر إلى ارادة الفنان موجوداً في صفته فرداً في مجتمع يعيش تحولات عظيمة، قد لا تكون من صنعه ولكنه مجبر على الأخذ بها والتماهي معها. وكما أرى فإنه سيكون علينا باعتبارنا متلقّين، أن نكون جزءاً من تلك المشكلة، لكن ليس في صفتنا مشاهدين سلبيين. كانت الانواع الفنية كلها في الماضي عبارة عن امتحان لمستوى الذائقة الجمالية لدى الفنان كما لدى المتلقي، غير أن معاني الوجود كلها قد تغيرت في العقدين الاخيرين. هنالك اليوم في العالم العربي درجة من البؤس لا يمكن ان تكون محتملة ولا يمكن الوصول إلى أسبابها من طريق حساسية جمال غابر. لم تعد اللوحات المتوازنة لتفتن عيناً مصابة بالاضطراب، بل والهلع والقمع وتشوّش الرؤية.
 
 مع ذلك لا يزال الرسم والنحت في العالم العربي وصفيين، على مستوى المشهد الخارجي أو على مستوى النزاع الداخلي مع الذات. لم يتجاوز كثير من النحاتين هنري مور وجياكومتي، ولا يزال الرسامون يقيمون في حاضنة الاسباني تابياس أو الفرنسي دوبوفيه. حال يمكن الاستخفاف بها بيسر والاستغناء عنها وعدم الالتفات إليها. وهذا ما فعله القائمون على بينال الشارقة محقّين، حين وضعوا كل شيء وراءهم مما كان يحدث في المشهد الفني العربي، وقرروا أن يذهبوا بعيدا. كان الفنان العربي (نحاتا ورساما) ولا يزال، داعية لجمال مضى زمانه حين استولت عليه التقنية وأفرغته من تفرده. جمال مستهلك تعبت منه العيون. هناك روثكو واحد، روشنبرغ واحد، جاكسون بولوك واحد، وايفا هيسه واحدة، ومونخ واحد، ودي كونينغ واحد. ولكن ماذا بعد؟ اعتقد ان الصدمة التي مثّلها عزوف بينال الشارقة عن قبول أعمال الفنانين العرب، لم تترك أثرا ايجابيا في طريقة نظر الفنان العربي إلى الخطر الذي يتهدده بقدر ما دفعته إلى الاستنجاد بالسوق. وكما أرى، فإن السوق الفنية في العالم العربي لا يزال في إمكانها أن تهب الفنان طوق نجاة.
 
 لكنه طوق نجاة محلي موقت. معه وبه لا يفكر أي فنان عربي في أن يكون معروفا خارج نطاق البقعة الجغرافية التي يعرض أعماله الفنية فيها. لكن الرهان على السوق يبدو أمرا في غاية الغباء. في كثير من الأحوال تخدع السوق زبائنها ولكنها لا تخطئ الطريق في اتجاه ما يحقق لها أرباحا. وهنا يمكننا التفريق بين السوق والفن. فالفن الذي يصنع سوقاً، غير السوق التي تصنع فناً. كلاهما يستند إلى ذائقة جمال مستهلك. ولكن أليست هناك ارادة لمقاومة قرار الاستبعاد؟ في الرسم العالمي هناك تجارب فنية في الرسم والنحت على حد سواء يمكنها أن تكون ذريعة للمقاومة: الالماني أنسليم كيفر، على سبيل المثال، احتفى به متحف اللوفر غير أن رسومه ومنحوتاته لم تفارقا مفهومي الرسم والنحت التقليديين. ما السر وراء ذلك؟ الدرس الذي يقدّمه كيفر يمكن اختزاله في كلمة واحدة: الضرورة. حين أقيم معرض لمنحوتات ريتشارد سيرا الهائلة الحجم في القصر الكبير في باريس قبل سنوات، لم يشعر أحد أن هذا المعرض قد تمت استعارته من الماضي، بل كان هناك اجماع نقدي على أنه كان حدثا ضروريا ليتعرف المتلقي من خلاله الى شيء من ارادته. ضرورة فن كيفر هي التي دفعت متحف اللوفر الى استثناء الفنان من شرط الموت لينضم الى القلة من الفنانين الاحياء الذين احتفى بهم متحف عريق، كان الموت جزءاً من زينته. انتصر كيفر على الموت شرطاً للخلود، غير أنه في الوقت نفسه وهبنا درساً يشير إلى نوع من حياة مستنبطة من أعماق فنّين هما النحت والرسم صارت الشبهات تحيط بهما في زماننا.

3

حين أرى حقول ديفيد هوكني لا أتذكر بحيرات كلود مونيه بزهورها المائية. كلاهما رسم الطبيعة، غير أن ذلك لا يكفي لكي نحكم بتشابههما. لو أن أحدا ما أنجز الآن لوحات تشبه بدقتها وترفها لوحات مانيه تلك، لما استحقت تلك اللوحات عناء النظر، ولكن النظر إلى لوحات هوكني لا يزال ممكنا. ربما يفكر الكثيرون أن في إمكان شهرة هوكني أن تصنع سوقاً، وهو احتمال لا يمكن تفنيده، ولكن طبيعة هوكني موجودة بقوة المزاج الذي يستحضرها صوريا. وهنا بالضبط يكمن الفرق بين مفهومين للرسم كانت الطبيعة مادتهما. ما أريد الوصول إليه أن الرسام العربي (النحات أيضا) لا يزال يقيم في المزاج الثقافي الذي تم تجاوزه.
 
 وهو مزاج منفي عن عصره. يختار أسئلته بانتقائية ضمير مخيّب. لا يرى من المتلقي إلا جانبه المدرسي. هناك ما يجب الاعجاب به من تمترس وراء التقنية والأشكال التي يمكن استعادتها بيسر. وكما أرى، فإن ظاهرة المزادات العالمية التي شهدتها دولة الامارات العربية في السنوات القليلة الأخيرة ساهمت في تعدد الطرق العبثية التي يسير فيها الفنان العربي. لقد صنعت تلك المزادات مجدا اقتصاديا لأعمال فولكلورية، لم يخرج أصحابها بعيدا من عتبة الدار. لم يفعل مدبّرو ذلك المأزق التجاري سوى أنهم ردّوا الأعمال الى أصحابها، لكن مذيّلةً هذه المرة بتواقيعهم المرموقة، وهي تواقيع تعني أموالا هائلة مضافة. سوق وهمية هي إذاً لن يؤدي وجودها إلى ولادة سوق حقيقية للفن في البلدان العربية. أصوات المزايدين لن تجد لها صدى في سوق الفن العربي، التي هي حتى هذه اللحظة سوق افتراضية. هناك اختلاف كبير بين أن يكون الفنان موجودا في بينال فني ترعاه ضرورة العصر، وبين أن تباع لوحاته في مزاد علني، ينفضّ عنه التجار سريعا